ابن حزم

143

جوامع السيرة النبوية

فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المنذر بن عمرو ، أحد بنى ساعدة ، وهو الذي يلقب : المعنق ليموت ، في أربعين رجلا من المسلمين ، وقد قيل في سبعين من خيار المسلمين ، منهم : الحارث بن الصمة ، وحرام بن ملحان - أخو أم سليم ، وهو خال أنس بن مالك - وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق وغيرهم ؛ فنهضوا فنزلوا بئر معونة ، وهى بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم ، ثم بعثوا منها حرام بن ملحان بكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عدو اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، عامر بن الطفيل . فلما أتاه لم ينظر في كتابه ، ثم عدا عليه فقتله ، ثم استنهض إلى قتال الباقين بنى عامر ، فأبوا أن يجيبوه ، لأن أبا براء أجارهم ، فاستغاث عليهم بنى سليم ، فنهضت معه عصية ورعل وذكوان ، وهم قبائل من بنى سليم ، فأحاطوا بهم ، فقاتلوا ، فقتلوا كلهم رضوان اللّه عليهم ، إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار ، فإنه ترك في القتلى وفيه رمق ، فارتث « 1 » من القتلى ، فعاش حتى قتل يوم الخندق رضوان اللّه عليه . وكان عمرو بن أمية في سرح المسلمين ، ومعه المنذر بن محمد بن عقبة ابن أحيحة بن الجلاح ، فنظر إلى الطير تحوم على العسكر ، فنهضا إلى ناحية أصحابها ، فإذا الطير تحوم على القتلى ، والخيل التي أصابتهم لم تزل بعد ؛ فقال المنذر بن محمد لعمرو بن أمية : فما ترى ؟ فقال : أرى أن نلحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنخبره الخبر . فقال الأنصاري : ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو . فقاتل حتى قتل ، وأخذ عمرو بن أمية أسيرا ، فلما أخبرهم أنه من مضر ، جز ناصيته عامر بن الطفيل ، وأطلقه عن رقبة كانت على أمه . وذلك لعشرين بقين من صفر مع الرجيع في شهر واحد .

--> ( 1 ) ارتث : رفع وبه جراح وتقول : ارتث الرجل إذا رفع من المعركة وفيه بقية حياة .